محمود بن حمزة الكرماني
270
البرهان في متشابه القرآن
قوله : مِنْ قَبْلِهِمْ : متصل ب كانَ « 1 » آخر مضمر . وقوله : كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً : إخبار عما كانوا عليه قبل الإهلاك . وخصّت هذه السورة بهذا النّسق لما يتصل به من الآيات بعده ، وكله إخبار عما كانوا عليه وهو وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها . وفي فاطر : كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا بزيادة الواو ؛ لأن التقدير فينظروا كيف أهلكوا وكانوا أشد منهم قوة . وخصت هذه السورة به لقوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ الآية « 2 » . وفي المؤمن : كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً « 3 » فأظهر « كان » العامل في مِنْ قَبْلِهِمْ وزاد « هم » ؛ لأن في هذه السورة وقعت في أوائل قصة نوح وهي تتم في ثلاثين آية ، فكان اللائق به البسط دون الإيجاز « 4 » . وفي آخر المؤمن : كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ « 5 » فلم يبسط القول لأن أول السورة يدل عليه . * قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً « 6 » وختم الآية بقوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ؛ لأن الفكر يؤدى إلى الوقوف على المعاني التي خلقت « 7 » لها من التؤانس والتجانس وسكون كل واحد منهما إلى الآخر . * قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ « 8 » ، وختم بقوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ ؛ لأن الكل تظلهم السماء وتقلهم الأرض ، وكل واحد منفرد بلطيفة في صورته يمتاز بها عن غيره حتى لا ترى اثنين في ألف تتشابه صورتاهما ، ويلتبس كلامهما ، وكذلك انفرد كل واحد بدقيقة في صورته يتميز بها من بين الأنام فلا ترى اثنين يشتبهان ، وهذا يشترك في معرفته الناس جميعا ؛ فلهذا قال : لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ . ومن حمل اختلاف الألسن على اللغات واختلاف الألوان على البياض والسواد والشّقرة والسّمرة ، فالاشتراك في معرفتها ظاهر أيضا .
--> ( 1 ) تقديره : الذين كانوا من قبلهم . ( 2 ) سورة فاطر من الآية : 44 . ( 3 ) سورة المؤمن الآية : 21 . ( 4 ) كذا في « ح » 63 / أ ، وفي الأصلية : [ الوجز ] . ( 5 ) سورة المؤمن الآية : 82 . ( 6 ) سورة الروم وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ الآية : 21 . ( 7 ) كذا في البصائر 1 / 367 ، وفي الأصلية : [ خلقن ] . ( 8 ) سورة الروم وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ الآية : 22 .